الخميس، 31 مايو، 2012

قصة قصيرة / الزوجة المؤمنة


الزوجة المؤمنة

علي الخاقاني

فؤاد رجل متزوج ، ولديه ثلاثة أطفال : ابنة وولدان ؛ زوجته امرأة مؤمنة اسمها عذراء ، حالته المادية ضعيفة جدا وعمله الوحيد عامل بناء .... وقت عمله من الساعة السابعة حتى الرابعة مساء ويخرج من بيته الساعة الخامسة صباحا حتى السادسة مساء ... رجلاه نتنتان لطول بقائهما في الحذاء وزوجته معتادة على تلك الرائحة ؛ سألته يوما وهي مستاءة من تلك الحالة :
هل طول الوقت – من وقت الخروج حتى العودة - تبقى رجلاك في الحذاء؟

قال : نعم .

قالت : ويحك أما تصلي ؟

استغرب شدة اللهجة فكذب عليها وقال : ها أصلي (وهو يحرك رأسه)

قالت : وكيف أنت وهذه الرائحة؟

قال : ها (فسكت ولهة) وقال : لا .... لا أصلي.

قالت : ولمَ كذبت ؟

قال : تفاجئت من شدة اللهجة  ( فتمتم بصوت منخفض : بل خشيتكِ)

فصرخت به : أما تخشى الله ؟

قال : بلى.

هدئت قليلا فقالت له: اذاً لماذا لا تصلي ؟

قال : إن البناء يريد أن يكمل بناءه بسرعة من اجل أن يمسك بيوت أخرى فيوما ما قمنا للعمل بعد أكل وجبة الغداء وتناول الشاي مباشرة فنادى صديقي سعيد ، فقالوا له : يصلي ، فبعد أن أكمل سعيد فرض الظهر جاء مسرعا للبناء فقال له نعم أستاذي .

بعصبية وصراخ قال البناء: كل هذا التأخير بسببك فاذهب وأكمل صلاتك في بيتك ولتنفعك صلاتك ولتشبع بطون عيالك خبزا ،

ففقد سعيد عمله بسبب صلاته ولم اعرف ما جرى له.

قالت : أتخاف من هذا ؟!

قال :اجل .

قالت : أما تريد أن تعرف ما حل بسعيد الذي لم يترك صلاته ؟!

قال : نعم، وما حل به ؟ وكيف علمت؟

قالت : ذهبت إلى السوق بالأمس فصادفت زوجته دلال ودعتني لبيتها فاعتذرت منها وقلت لها غدا سآتي فذهبت اليوم إليها ووجدتها مرتدية تلك الثياب الجميلة وأقراط الذهب وأولادها متزينين ؛ فقلت لها : أتريدون الخروج ؟

قالت : لا .

فقلت : لماذا اذاً انتم مرتدون هذه الثياب وهذه الزينة ؟

قالت : إننا هكذا في كل يوم مرتديها في البيت.

فتعجبتُ من قولها بعد انك انو في الزيارة الماضية لايرتدون سوى الثياب المتغيرة الألوان .

فقال لها : يا امرأة ؛ أتريدين أن ترتدي مثل زوجة سعيد ؟

قالت: اتق الله يارجل ، إنما أردت أن أذكرك بفضل الصلاة التي لم يتركها سعيد.

قال : نعم ،سأصلي حتى لو طردوني من العمل .

قالت : إن الله يبسط الرزق لمن يشاء بغير حساب.

 ذهب فؤاد لعمله وبعد انتهاء العمل عاد إلى المنزل فنسيت زوجته أمر الصلاة من شدة التعب في البيت حتى خلدوا إلى النوم فشمت رائحة رجليه فقفزت وقالت : يارجل ، لمَ لم تصل ؟

قال بصوت خافت وغفوا : والله صليت .

قالت وماهذه الرائحة اذا ؟

قال : إنها رائحة رجلي ، أهي غريبة عنكِ ؟

قالت : لا... وكيف صليت ورجلاك نتنتان ووسختان؟

قال : خشيت أن أتأخر في غيابي فيحس البناء ويطردني من العمل فلم اغسلهما

قالت : ألم أقل لك لاتخش إلا الله ؟

قال : إن شاء الله.

.... وفي اليوم التالي وعند عودته من عمله سألته : أصليت؟

قال: نعم.

قالت : وكيفك أنت والبناء؟

قال: قلت له : أريد الذهاب إلى المرحاض.

قالت : اليوم عذرك أتى بنتيجة ، فكيف بك بالغد؟

قال مبتسما : الأعذار موجودة.

قالت : وتستمر بصلاتك هذه كنقر الغراب ؟ إن الصلاة اتصال العبد بالمعبود.

فقال وهو ضاحكا : ليس لدي رصيد.

قالت : اجعله بإخلاص نيتك لله تعالى.

قال: إن شاء الله.

 وفي اليوم التالي ذهب لعمله عازما على التأني في صلاته ومتصلا بربه متناسيا أمر الدنيا ، فإذا به رجع مبكرا إلى البيت قبل انتهاء وقت العمل .

قالت :اليوم رجعت مبكرا ، هل أطلت في صلاتك فطردوك ؟

قال: انظري إلى الساعة ، إنها الحادية عشر صباحا.

قالت : وما الذي أرجعك مبكرا ؟

قال : اليوم وقع البنّاء من الأعلى فانكسرت رجله .

قالت : ومه ؟

قال: ذهبنا إلى المستشفى وعالجوه وسنبقى عدة أيام من دون عمل .

قالت : هي فرصة اقضها في العبادة والله ميسر الأمور.

قال : إن شاء الله.

 بعد انتهاء أيام التعطيل عن العمل ذهب لعمله وكان عمله في ذلك اليوم قرب منزله ، فعاد مبكرا لكن هذه المرة بعد وقت الصلاة .

فقالت له : رجعت مبكرا ، أطردوك ؟

قال : لا ... بل جئت لتسخين الغداء .

فذهب ولما عاد نسيت أمر الصلاة.

 وفي اليوم التالي عاد مبكرا أيضا فسكتت عنه لأنه لابد أن يؤول عذرا .

فقال لها : أما تريدين أن تسألي اليوم لماذا عدت مبكرا ؟

قالت : لا ... فأعذارك موجودة .

قال : اليوم أنا مطرود .

قالت : أبسبب صلاتك ؟

قال : لا

قالت : ولمَ ؟

قال : لأني دعوت البنّاء للصلاة ولم يقبل ، فقلت له إن سبب وقوعك وكسرك ذاك هو بسبب عدم صلاتك ومحاربتك للمصلين فغضب وطردني.

قالت : بوركت يارجل ، عليك بصلاتك ، وأما من اجل العمل فان الله يرزق من يشاء بغير حساب .

قال : إن شاء الله سأستمر بصلاتي .

......

مرت الأيام وفؤاد مستمر بصلاته دون كسل داعيا بالرحمة والرزق والعفو ويردد : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .....

فخرج ذات يوم إلى السوق فالتقى صديقه سعيد وإذا هو بهندام رائع يبدو كالمسؤولين فأثار هندام سعيد فؤادا .

قال له : كيف حالك ؟ ما هذا ؟! ما الذي حصل ؟!

قال : حصلت على تعيين في مركز مهم وأصبحت مسؤولا .

قال: وكيف حصلت على التعيين ؟

قال : صبرت ورابطت على ذكر الله وان الله لا ينسى من ذكره ، وبعد ترددي على الدائرة الحكومية تم تعييني ، وبعد ملاحظتهم التزامي ونزاهتي تمت ترقيتي إلى هذا المركز .

قال فؤاد: الحمد لله .

قال سعيد : الحمد لله أني إلتقيتك ، فاني بحاجة إلى سائق أمين فلم أجد سواك .

قال فؤاد : سأكون إن شاء الله أمينا صادقا معك ونفسي وربي .

قال سعيد : إن شاء الله تعالى.

..... وبعد عودة فؤاد لبيته اخبر زوجته بما حدث بينه وسعيد .

فقالت له : ألم أقل لك إن الله رحيم بعباده رؤوف بهم؟

قال : الحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا.





24/4/2011